محمد بن جرير الطبري

85

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم ، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته ، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم ، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ليث ، عن عقيل ، عن ابن عباس ، أنه كان يحدث عن عيسى صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ؟ فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ؛ ثم قالوا : يا معلم الخير ، قلت لنا : إن أجر العامل على من عمل له ، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا ، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ عيسى اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ إلى قوله : لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ قال : فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة ، حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالوا : هل يطيعك ربك إن سألته ؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم فأكلوا منها . وأما المائدة فإنها الفاعلة ، من ماد فلان القوم يميدهم ميدا : إذا أطعمهم ومارهم ؛ ومنه قول رؤبة : تهدي رؤوس المترفين الأنداد * إلى أمير المؤمنين الممتاد يعني بقوله : الممتاد : المستعطي ، فالمائدة المطعمة سميت " الخوان " بذلك ، لأنها تطعم الآكل مما عليها . والمائد : المدار به في البحر ، يقال : ماد يميد ميدا . وأما قوله : قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإنه يعني : قال عيسى للحواريين القائلين له : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ راقبوا الله أيها القوم ، وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا ، فإن الله لا يعجزه شيء أراده ، وفي شككم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كفر به ، فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته إن كنتم مؤمنين يقول : إن كنتم مصدقي على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ يعني تعالى ذكره بذلك : قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم : اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في قولكم هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ إنا إنما قلنا ذلك وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة ، فنعلم يقينا قدرته على كل شيء وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا يقول : وتسكن قلوبنا وتستقر على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد ، ونعلم أن قد صدقتنا ، ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبي مبعوث . وَنَكُونَ عَلَيْها يقول : ونكون على المائدة ، مِنَ الشَّاهِدِينَ يقول : ممن يشهد أن الله أنزلها حجة لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء ولك على صدقك في نبوتك . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم أنه أجاب القوم إلى ما سألوا من مسألة ربه مائدة تنزل عليهم من السماء . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا فقال بعضهم : معناه : نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يقول : نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن